الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

372

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

وليس المعنى المراد من الجملة خارجا عما وضعت له ليكون الانتقال من الجملة إلى ذلك المعنى قاضيا بالخروج عن أوضاع المفردات حسبما قلناه في الصورة الثانية فلا مجاز حينئذ فيكون كل من المفردات مستعملة فيما وضع له وإن كان المعنى الموضوع له المراد من بعض تلك الألفاظ غير مقصود بالإفادة على الوجه الذي قررناه توضيح ذلك أنه كما يكون الحقيقة دالة على المعنى الحقيقي بواسطة وضع اللفظ فكذا المجاز هو الدال على المعنى المجازي بواسطة القرينة القائمة عليه فالمستعمل في المعنى المجازي والمجعول عليه هو لفظ المجاز وإن كانت دلالته عليه بواسطة القرينة فإذا لم يكن اللفظ مما أريد به معناه المجازي ولم يكن تلك اللفظة دالة على ذلك المعنى بواسطة القرينة بل كان ذلك اللفظ وغيره دالا عليه وكان ذلك المعنى مرادا من مجموع اللفظين أو الألفاظ لم يكن ذلك اللفظ مستعملا في ذلك المعنى بل كان المستعمل فيه هو ما أريد منه من معناه الحقيقي والمجازي نعم لو كان المعنى معنى مجازيا للمركب وكانت تلك الألفاظ في حال التركيب مستعملة فيه كما في التمثيل كان كل من الألفاظ المستعملة فيه مجازا حسبما قررناه في التمثيل على تأمل فيه من بعضهم كما مر بيانه في محله وبالجملة أن حصول التجوز مبني على أحد أمور ثلاثة من استعمال اللفظ ابتداء في غير ما وضع له كما في رأيت أسدا يرمي إذ كون المراد منه بالأصالة غير ما وضع له وإن أريد به الموضوع له لأحد التوصل إليه كما في الكناية في المفرد إذ عدم كون المقصود بالإفادة منه معناه الموضوع له وإن لم يستعمل في معنى مجازي مخصوص بل كان المقصود منه في ضمن الجملة إفادة غير ما وضع له بأن كانت الجملة المركبة منه مستعملة في غير معناه الموضوع له كما في المجاز المركب والكناية المركبة ولا شيء من الوجوه الثلاثة حاصلة في المقام فلا وجه لالتزام التجوز فيه ثالثها أن القيود الواردة على اللفظ لا يقضي بتجوز فيه إلا أن يكون مفاد ذلك القيد مندرجا في المعنى المراد من المطلق فيكون ذلك قرينة على إرادة خصوص ذلك المعنى منه فيندرج حينئذ في المجاز لكن ذلك غير شائع في التقييدات بل الشائع فيما ضم القيد المدلول عليه باللفظ الدال عليه إلى المطلق المدلول عليه بلفظة فيكون اللفظ الدال على المطلق مستعملا في معناه وحيث إنه مأخوذ على وجه اللا بشرط فلا ينافيه ضم الشرط إليه المدلول عليه بالقيد اللاحق له فإن اللا بشرط يجامع ألف شرط وحينئذ فيكون ذلك المطلق مما أطلق على المقيد مع كون التقييد مستفادا من الخارج أعني القيد المأخوذ معه فلا يجوز فيه حسبما قررناه في إطلاق الكليات على أفرادها ولا فرق في ذلك بين التقييد المتصل والمنفصل فأقصى ما يقيده التقييد بالمنفصل إطلاق المطلق على خصوص ذلك المقيد مع استفادة الخصوصية من الخارج وكونه قرينة على الإطلاق المذكور إذ إطلاق المطلق على خصوص بعض الأفراد نظير التجوز باللفظ في افتقاره إلى وجود القرينة الدالة عليه وبدونه لا يحمل المطلق إلا على معناه الإطلاق المأخوذ على وجه اللا بشرط من دون ضم شرط إليه رابعها أن العموم الوارد على الألفاظ المقيدة إنما يرد عليها بملاحظة القيود المنضمة إليها وذلك لأن المطلق المطلوب من تلك المطلقات هو معانيها الإطلاقية المقيدة بالقيود المنضمة إليها فيكون تلك المطلقات مطلقة على خصوص بعض أنواعها على حسب التقييد الوارد عليها كما عرفت فيكون العموم الوارد عليها على حسب ذلك فإن العموم الوارد على اللفظ إنما يتبع ما أطلق عليه ذلك اللفظ وحينئذ فعد الصفة والشرط ونحوهما من القيود مخصصا للعام إنما هو من جهة إخراجه عن معناه الإطلاقي بحيث لم يلحظ العموم فيه على حسب ظاهر مدلوله بل خص ذلك بما يفيده القيد المنضم إليه تخصيصا للعام حيث إنه بمعناه وإن لم يكن ذلك عند التحقيق تخصيصا له بإيراد العموم على المطلق ثم إخراج بعضه بالقيود المذكورة بل لم يراد العموم إلا على خصوص ما أطلق عليه ذلك المطلق نظرا إلى ما انضم إليه من القيد ويجري نحو ذلك في المخصص المنفصل إذا دل ذلك على إطلاق ما يتعلق العموم به على بعض مصاديقه كما في قولك أكرم كل رجل ولا تكرم الجهال فإن ذلك يفيد كون ما أطلق عليه الرجل هناك خصوص العالم فيكون العموم الوارد عليه بحسب ما أريد من اللفظ وأطلق عليه دون مطلق الرجل وحينئذ لا مجاز في لفظة كل وما في معناه حيث استعمل في معناه ولا في مدخولها حيث أطلق على بعض مصاديقها وقد عرفت أن إطلاقه عليه على وجه الحقيقة نعم لو أريد بذلك هو معناه اللا بشرط من غير أن يقال بدلالة المخصص على إطلاقه على خصوص المقيد تعين التزام التجوز فيما يفيد العموم من لفظة كل وما بمعناه خامسها أن الألفاظ الدالة على العموم على وجوه فمنها ما يكون موضوعا لإفادة العموم والشمول ويكون الأمر الشامل غيره كما في لفظة كل وما بمعناه ومنها ما يفيد ذلك من جهة المقام لوروده في بيان الشرط أو العموم كما في قولك كلما جاءك رجل فأكرمه ومنه أسماء المجازات ونحوها ومنها ما يدل على العموم على سبيل الالتزام كالنكرة الواقعة في سياق النفي ومنها ما يدل عليه من جهة انصراف ظاهر الإطلاق إليه كما في الجمع المعرف إذ ليس موضوعا لخصوص العموم كما مرت الإشارة إليه سادسها أنك قد عرفت أن شمول العام إنما هو لمصاديقه والجزئيات المندرجة تحته فلذا عرفوه باللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له سوى بعض العمومات كالجمع المعرف حسب أن شموله بالنسبة إلى أجزائه حسبما مر بيانه فحينئذ نقول إن صدق العام على كل من جزئياته على وجه الحقيقة من حيث انطباقه عليه فيكون العموم الطاري عليه قاضيا بإطلاقه على جميع مصاديقه فيكون مستغرقا لجميع ما يصلح له وحينئذ فمفاد التخصيص الوارد عليه إطلاق ذلك العام على بعض مصاديقه والجزئيات المطابقة له فلا يجوز إذن في اللفظ من تلك الجهة إنما التجوز هناك على القول به بالنسبة إلى ما يفيد عموم اللفظ وشموله لمصاديقه حيث لم يرد به معناه بعد ظهور التخصيص وحينئذ فإن كان الدال على العموم موضوعا بإزائه كان ذلك مجازا حيث أريد به غير ما وضع له من الشمول وكذا لو كان دالا على عموم النفي فإنه إنما يجيء التجوز فيه من تلك الجهة وأما إن لم يكن إفادته العموم بالوضع بل بالالتزام أو ظهور الإطلاق فلا تجوز كما في النكرة الواقعة في سياق النفي فإن قلت إن العموم إذا كان معنى التزاميّا له كان عدم ثبوت العموم شاهدا على انتفاء ملزومه فيلزم التجوز فيه من تلك الجهة قلت لا وجه لالتزام التجوز من تلك الجهة إذ أقصى الأمر أنه أن يكون النكرة الواقعة هناك قد أطلق على قسم خاص ليكون النفي واردا عليه من غير أن يراد بها مطلق الفرد المنتشر ليستلزم انتفاؤه انتفاء الجميع وذلك أيضا مما لا يجوز فيه كما عرفت وأما الجمع المعرف إذا ورد التخصيص عليه فلا يخلو إما أن يكون ذلك مع إطلاقه على جميع الأفراد وإخراج المخرج من الحكم فليس ذلك إذن مستعملا إلا في العموم وإما أن يكون